هناك أشياء يظل الإنسان يشعر تجاهها بشيء من الحرج، حتى لو لم يتحدث عنها كثيرًا. ومن أكثر الأشياء التي كنت أشعر بالخجل منها أنني لسنوات طويلة لم أستطع أن أختم قراءة القرآن كما كنت أتمنى. كان المشهد يتكرر تقريبًا كل عام: أبدأ بحماس، خاصة في رمضان، ثم بعد أيام أو أسابيع ينقطع هذا الحماس، وأتوقف مرة أخرى، وكأنني أدور في نفس الحلقة دون أن أخرج منها.
كنت أظن في البداية أن المشكلة في الانشغال، أو ضعف الالتزام، أو قلة الوقت، لكنني مع مرور الوقت بدأت أكتشف أن المسألة أعمق من ذلك. لم تكن المشكلة فقط في أنني لا أقرأ بما يكفي، بل في أن علاقتي بالقرآن نفسها كانت بحاجة إلى أن تتغير. كنت أقرأ أحيانًا بعين الباحث عن الإنجاز، لا بعين الباحث عن الفهم. أريد أن أنهي، أن أُكمل، أن أقول إنني قرأت، لكن دون أن أشعر دائمًا أن القراءة تترك أثرها الحقيقي في داخلي.
خلال الأشهر الأخيرة، تعرفت على مجموعة من اللقاءات والحلقات التي تناولت القرآن من زاوية مختلفة تمامًا؛ زاوية جعلتني أعيد النظر في كل الطريقة التي كنت أتعامل بها مع القراءة. لم تكن هذه اللقاءات مجرد كلام عام عن فضل القرآن، بل كانت تفتح أسئلة أعمق: كيف نفهم القرآن؟ لماذا يغيب أثره عنا أحيانًا؟ كيف يمكن أن يغيّر القرآن طريقة نظرنا إلى أنفسنا وإلى العالم؟ وكيف يتحول من نص نمر عليه سريعًا إلى نور يعيد ترتيب الداخل والواقع معًا؟
من هنا بدأ التحول الحقيقي. لم يتغير كل شيء في يوم واحد، لكن تغيّرت نقطة البداية. لم أعد أفكر في قراءة القرآن باعتبارها سباقًا مع عدد الصفحات فقط، بل باعتبارها علاقة تحتاج حضورًا وتأملًا وصبرًا. واكتشفت أن التغيير الكبير لا يبدأ بالضرورة بخطة ضخمة، بل قد يبدأ بخطوة صغيرة جدًا، ولكنها صادقة وثابتة.
المشكلة لم تكن في الوقت فقط… بل في الطريقة
واحدة من أهم الأفكار التي خرجت بها من هذه اللقاءات أن كثيرًا من الناس لا يبتعدون عن القرآن لأنهم لا يحبونه، ولا لأنهم لا يعرفون فضله، بل لأنهم لم يجدوا بعد الطريقة التي تجعل القراءة حيّة في وجدانهم. قد يقرأ الإنسان كثيرًا، لكنه لا يتذوق. وقد يمر على الآيات سريعًا، لكنه لا يقف عند المعاني التي يمكن أن تغيّر حياته حقًا.
عندما تأملت هذا المعنى، شعرت أنني أفهم نفسي أكثر. كنت طيلة سنوات أتعامل مع القراءة بمنطق الكمية، بينما كنت في الحقيقة محتاجًا إلى شيء آخر: محتاج إلى أن أشعر أن القرآن يخاطبني أنا، أنني لا أكرر فقط ألفاظًا عظيمة، بل أحاول أن أفتح لها بابًا في قلبي وعقلي. هذا الفهم وحده أعاد ترتيب علاقتي بالقراءة من جديد.
كيف فتحت هذه الحلقات بابًا جديدًا في علاقتي بالقرآن؟
الذي ميّز هذه الحلقات أنها لم تتعامل مع القرآن على أنه موضوع وعظي تقليدي فقط، بل باعتباره قوة تشكيل حقيقية للإنسان. القرآن ليس مجرد كتاب نقرأه لننجز وردًا يوميًا فحسب، بل كتاب يعيد صياغة العقل، ويضبط البوصلة، ويصحح التصورات، ويمنح المعنى للواقع الذي نعيشه. وعندما يقترب الإنسان من القرآن بهذه الروح، يكتشف أن القراءة لم تعد عبئًا كما كانت، بل صارت بابًا من أبواب السكينة والنور والفهم.
هذه الفكرة بالتحديد هي التي صنعت الفارق. لم أعد أنظر إلى القراءة باعتبارها واجبًا منفصلًا عن الحياة، بل كشيء يمكن أن يضيء الحياة نفسها. ومع هذا التغير في النظرة، صار من الطبيعي أن تتغير الطريقة أيضًا.
من القراءة الموسمية إلى الارتباط اليومي
بعد هذه الرحلة من الاستماع والتأمل، بدأت أطبّق شيئًا بسيطًا جدًا: كل يوم، أول ما أستيقظ في الصباح، وأنا لا أزال في سريري، أقرأ عشرين آية فقط. ليس حزبًا كاملًا، ولا عددًا كبيرًا، ولا خطة متعبة. فقط عشرون آية. لكن الفارق أنني لا أتعامل معها كرقم أريد أن أتجاوزه، بل كمعنى أريد أن أقترب منه.
أحيانًا أتوقف عند كلمة غريبة فأبحث عن معناها، وأحيانًا أقرأ تفسير آية واحدة فقط، وأحيانًا أشعر أن آية بعينها بقيت في داخلي طوال اليوم. هذا كله صنع في نفسي أثرًا لم تكن تصنعه القراءة المتعجلة. لأول مرة شعرت أن للقرآن طعمًا مختلفًا. لم يعد الأمر مجرد محاولة لختم المصحف، بل صار محاولة لأن أفهم، وأن أتأثر، وأن أسمح للنور أن يدخل إلى داخلي بهدوء وثبات.
لماذا نبدأ كثيرًا ثم نتوقف؟
السؤال الذي يشغل كثيرين ليس: لماذا لا نحب القرآن؟ بل: لماذا نبدأ ثم لا نكمل؟ ولماذا نفشل رغم أن النية موجودة؟ أعتقد أن جزءًا كبيرًا من الجواب هو أننا نحمّل أنفسنا ما لا نطيق، ثم نحزن عندما نعجز عن الاستمرار. نضع لأنفسنا أهدافًا كبيرة منذ البداية، ونظن أن النجاح يكون فقط بالإنجاز الضخم، بينما الحقيقة أن الثبات يأتي غالبًا من خطوات صغيرة يمكن الاستمرار عليها.
والجزء الآخر من الجواب هو أننا قد نهرب أحيانًا من الفهم دون أن نشعر. نهرب إلى القراءة السريعة، أو إلى التكرار الذي لا يتبعه حضور داخلي، لأن الفهم يتطلب وقوفًا وتأملًا وصراحة مع النفس. لكن حين يذوق الإنسان هذا الباب، يكتشف أن المعاني لا تزيده تعبًا، بل تمنحه حياة جديدة مع القرآن.
ما الذي أضافته هذه الحلقات إلى تجربتي؟
أضافت لي أولًا أن القرآن ليس بعيدًا عن الواقع كما نظن أحيانًا، بل هو أقرب شيء إلى الإنسان حين يبحث عن المعنى. وأضافت لي ثانيًا أن الفهم ليس ترفًا خاصًا بالمتخصصين، بل هو المدخل الطبيعي لأي علاقة حيّة بكتاب الله. وأضافت لي ثالثًا أن القرآن لا يملأ الوقت فقط، بل يعيد تشكيل العقل والنظر إلى الأشياء: إلى النفس، إلى الحرية، إلى المسؤولية، إلى الخير والشر، إلى الاختيارات اليومية الصغيرة التي تصنع الحياة.
ومن أجمل ما شعرت به بعد هذه الرحلة أنني لم أعد أقرأ فقط لكي أصل إلى نهاية السورة أو نهاية الجزء، بل أقرأ وأنا أنتظر أن أجد شيئًا يفتح قلبي، أو يصحح فهمًا، أو يوقظ إحساسًا كنت قد فقدته وسط زحام الأيام.
القرآن حين يتحول من عادة إلى تجربة
هناك فرق كبير بين أن يقرأ الإنسان القرآن لأنه اعتاد أن يقرأ، وبين أن يقرأه لأنه يشعر أنه محتاج إليه. العادة قد تستمر فترة ثم تضعف، أما الحاجة فتجعل الإنسان يعود كل مرة وهو يعرف لماذا يعود. وهذا بالضبط ما بدأ يتشكل عندي: لم تعد القراءة مجرد عادة موسمية ترتبط برمضان وحده، بل صارت أقرب إلى حاجة يومية تمنحني شيئًا من الاتزان والصفاء.
ولعل هذا هو التحول الأهم: أن يصبح القرآن في الوعي ليس مجرد نص مبارك نعرف فضله، بل مصدرًا حيًا للفهم والهداية وإعادة التشكيل. حينها فقط يبدأ أثره الحقيقي في الظهور، لا في عدد الصفحات التي أُنهيت، بل في الإنسان الذي بدأ يتغير من الداخل.
لماذا أنصح بمشاهدة هذه الحلقات؟
لأنها لا تقدم وصفات سريعة، ولا تتعامل مع القرآن بمنطق التكرار المعتاد، بل تحاول أن تفتح أبوابًا في العقل والقلب معًا. هي حلقات مناسبة لكل من يشعر أن علاقته بالقرآن تحتاج إلى تجديد، ولكل من يبدأ كثيرًا ثم يتوقف، ولكل من يريد أن ينتقل من مجرد القراءة إلى الفهم والتذوق والأثر.
وقد لا تكون الاستفادة من هذه اللقاءات في أن القارئ سيخرج منها بخطة واحدة جاهزة تناسب الجميع، بل في أنها تجعله يعيد النظر في علاقته كلها بالقرآن، ثم يكتشف بنفسه الطريقة التي تقرّبه أكثر، وتجعله أصدق وأكثر ثباتًا.
الخلاصة
فشلي سنوات في ختم القرآن لم يكن لأنني لا أريد، ولا لأن القرآن بعيد عن قلبي، بل لأنني كنت أقترب منه أحيانًا بطريقة لا تساعدني على الثبات والتذوق. وحين تغيّرت الطريقة، تغيّر معها شيء كبير في التجربة كلها. صرت أقرأ أقل أحيانًا، لكن بحضور أكبر. وصرت أتوقف عند المعاني، فأشعر أن القرآن لم يعد يمر بجانبي فقط، بل صار يدخل إلى داخلي بهدوء ويترك أثره.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذه الرحلة أن الطريق إلى القرآن لا يحتاج دائمًا إلى بدايات ضخمة، بل إلى بداية صادقة. عشرون آية قد تكون كافية لتفتح بابًا ظل مغلقًا سنوات. وكلمة واحدة قد تغيّر في القلب ما لم تغيّره صفحات كثيرة قُرئت على عجل. المهم أن نبدأ، وأن نبحث عن الفهم، وأن ندعو الله أن يرزقنا الثبات والفتح والأنس بكلامه.
روابط الحلقات
- كيف يمكن فهمك للقرآن أن يغيّر حياتك بالكامل؟ | د. نايف بن نهار | بودكاست بدون ورق
- كيف يفتح لنا القرآن أبوابه؟
- الحرية: بين الإسلام والليبرالية | بدون ورق 120 | د. نايف بن نهار
- التجربة القرآنية للشيخ المقرمي: كيف أضاء القرآن واقعي؟! | محمد المقرمي | ظلال بودكاست
- العقل القرآني: كيف أعاد القرآن تشكيل عقلي؟ | محمد المقرمي | ظلال بودكاست
- فاهم 43 | الهروب من الفهم | مع د. شريف طه يونس
%20(780%20x%20402%20%D8%A8%D9%8A%D9%83%D8%B3%D9%84)%20(11).jpg)